زكريا القزويني
273
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
( منها نفوس أصحاب الفراسة ) وهي نفوس تستدل بالأحوال الظاهرة على الأمور الباطنة وأنه استدلال صحيح ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ الحجر : 75 ] وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه تعالى » « 1 » . حكى أبو سعيد الخراز قال : رأيت في الحرم رجلا فقيرا ليس عليه إلا ما يستر عورته ، فأنفت نفسي منه فتفرس في ذلك وقال : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [ البقرة : 235 ] فندمت على ذلك واستغفرت في فقال : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [ الشورى : 25 ] . وحكي أن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ومحمد بن الحسن رحمة اللّه عليهما : رأيا رجلا فقال أحدهما : إنه نجار ، وقال الآخر : بل حداد ، فسألا عنه فقال : كنت حدادا قبل هذا والآن صرت نجارا . وحكى عبيد اللّه بن ظبيان ، وكان أميرا من أمراء العراق فنادى أنه كان يترصد الفتك بالحجاج مدة ، قال : فظفرت به يوما كان واقفا على باب داره وحده فقلت في نفسي : الآن وقته ، فتفرس ذلك في وبقي بيني وبينه مقدار رمح ، فقال لي : أخذت كتابك من فلان فقلت : لا ، قال : امض إليه فإن كتابك معه فلما سمعت اسم الكتاب تركت عزمي ، وانصرفت لطلب الكتاب فأدركني عدوانه . ( ومنها نفوس أصحاب القيافة ) والقيافة على ضربين : قيافة البشر ، وقيافة الأثر . أما قيافة البشر فالاستدلال بهيئات الأعضاء على الإنسان ، ويختص هذا الاستدلال بقوم من العرب يقال لهم : بنو مدلج يعرض على أحدهم مولود في عشرين امرأة فيهن أمه يلحقه بها . ( حكى ) بعض التجار قال : ورثت من أبي مملوكا أسودا شيخا ، فكنت في بعض أسفاري راكبا على بعير والمملوك يقوده ، فاجتاز علنيا رجل من بني مدلج أمعن فينا نظره ، وقال : ما أشبه الراكب بالقائد ، فوقع في قلبي من قوله ما وقع حتى رجعت إلى أمي وأخبرتها بما قال المدلجي ، فقالت : صدق واللّه المدلجي ، اعلم يا بني أنه كان زوجي شيخا كبيرا ذا مال لم يولد له ولد ، فخشيت أن يفوت ماله عنا بموته فمكنت نفسي من هذا المملوك الأسود ، فحملت بك ، ولولا أن هذا شيء ستعلمه في الآخرة ما أخبرتك في الدنيا .
--> ( 1 ) حديث صحيح رواه مسلم .